فخر الدين الرازي

237

القضاء والقدر

النوع الأول الاستدلال الاجمالي وتقريره : إن المقصود من جميع كتب اللّه المنزلة ، إما تقرير الدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد . وإما الأمر والنهي ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب . وإما القصص لإرادة أن يعتبر المكلف ، فيحترز عن مخالفة تكاليف اللّه تعالى . فهذه هي المعاقد الكلية ، والمطالب الأصلية من كتب اللّه المنزلة . وكلها مبطلة للقول بالجبر . أما تقرير الدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد وسائر المطالب ، فالكل على مذهب الجبر عبث باطل . لأنه تعالى إن كان قد خلق العلم والمعرفة بتلك الأشياء ، فلا حاجة به البتة إلى معرفة الدلائل . وإن كان اللّه لم يخلق العلم في المكلف ، لم ينتفع المكلف البتة بشيء من تلك الدلائل . فعلى كلا التقديرين يكون نصب الدلائل وتقريرها وإيضاحها : عبثا ضائعا ، على مذهب الجبر . وأما الأمر والنهي فهو أيضا ضائع على مذهب الجبر . لأن الأمر والنهي إنما يحسنان إذا كان المأمور والمنهي قادرا على الفعل ، متمكنا منه . ألا ترى أن من قيد يداه ورجلاه ورمي من شاهق جبل ، ثم أمر بالرجوع ، أو نهي عن النزول : كان ذلك سفها وعبثا . ولو كان كل فعل : خلقه اللّه تعالى ، لكان جميع تكاليف اللّه تعالى كذلك . لأن الذي خلقه اللّه تعالى فيه كان واجب الحصول . فكان الأمر به جاريا مجرى ما إذا يقيد الإنسان يدي عبده ورجليه ، ويرميه من شاهق الجبل ، ثم يقول له : انزل ، وإن تنزل عذبتك . والذي ما خلقه اللّه تعالى فيه يكون ممتنع الحصول ، فكان الأمر به جاريا مجرى ما إذا يقيد يديه ورجليه ويرميه من شاهق الجبل ، ثم يقول له : ارجع وإن لم ترجع عذبتك . ومعلوم : أن أمثال هذه التكاليف عبث فاسد . فثبت : أن القول بالجبر يفضي إلى أن تكون جميع تكاليف اللّه باطلة ضائعة . وأما المدح والذم والوعد والوعيد فكل ذلك إنما يحسن إذا كان المخاطب قادرا على الفعل والترك ، متمكنا منهما . حتى أنه إذا أطاع باختياره مدح وأثيب ، وإن عصى باختياره ذم وعوقب . فأما إذا خلق الكفر فيه ، شاء أم أبى ، ثم يعاقبه عليه أبد الآباد ، ويذمه عليه ، ويقول : لم فعلت ؟ فهذا محض الكذب ، ومحض الظلم والسفه . وأما القصص المذكورة في كتب اللّه المنزلة . فالفائدة منها : أن يعتبر المكلف بها ، فيقدم على الطاعة ، وينزجر عن المعصية . كما قال تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ « 1 » .

--> ( 1 ) سورة يوسف الآية 111 .